خليل الصفدي
462
أعيان العصر وأعوان النصر
هذه العمارة في كل يوم مبلغ ألف وخمسمائة درهم ، مع جاه العم لا العجل من عند السلطان والحجارين والفعول من المحابيس ، فقلت له : فكم مقدار ذلك لو لم يكن جاه ؟ ، فقال لي : على القليل في كل يوم ثلاثة آلاف درهم ، وأقاموا يعمّرون فيها مدة أشهر . وخرجت أنا من القاهرة ، وهم يعملون في الجل ، ولم يصلوا إلى الرخام والمنجور وعرق اللؤلؤ ، والسقوف المدهونة باللازورد والذهب . ولما توفى في طريق الحجاز عائدا في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة خلّف من الأموال والقماش والأمتعة والأصناف والزردخاناه ، ما يزيد على الحد ، ويستحي العاقل من ذكره . أخبرني المهذب كاتبه ، قال : أخذ السلطان من خيله أربعين فرسا ، قال هذه لي ما وهبته إياها ، وأبعنا الباقي من الخيل على ما نهبه الخاصكّية « 1 » ، وأخذوه بثمن بخس بما مبلغه ألف ألف درهم ومائتا ألف وثمانون ألف درهم خارجا عما في الجشارات « 2 » ، وأنعم السلطان بالزردخاناه ، والسلاحخاناه التي له على قوصون ، بعد ما أخذ منها سرجا وسيفا . قال لي المهذب كاتبه : القيمة عن ذلك ستمائة ألف دينار ، وأخذ له السلطان ثلاثة صناديق جوهرا مثمّنا لا يعلم قيمة ذلك ، وأبيع له من الصيني والكتب والختم والربعات والحمائلية ، ونسخ البخاري المختلفة ، ومن الأدوية الفولاذ ، والمطعمة والبصم بسفط الذهب وغير ذلك ، ومن الوبر والأطلس ، وأنواع القماش السكندري والبغدادي ، وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية المفرطة ، ودام البيع لذلك مدة شهور ، امتنع القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص من حضور بيع موجود بكتمر واستعفى ، قلت له : لأي شيء فعلت ذلك ؟ قال : ما أقدر أصبر على غبن ذلك ؛ لأنه المائة درهم تباع بدرهم . ولما خرج السلطان خرج بتجمّل زائد وحشمة عظيمة ، كتب في سريا قوس ، فرأيت ما هالني ، وخرج ساقه للناس كلهم وكان ثقله ، وحاله نظير ما للسلطان ، ولكن يزيد على ذلك بالزركش وآلات الذهب . ووجدوا في خزانته في طريق الحجاز بعد موته خمسمائة تشريف ، منها ما هو أطلس بطرز زركش وحوائص ذهب وكلوتات زركش ، وما دون ذلك من خلع أرباب السيوف وأرباب الأقلام ، ووجدوا على ما قيل قيودا وزناجير ، واللّه أعلم بحقيقة الباطن في ذلك . وتنكّر السلطان له في طريق الحجاز ، واستوحش كل منهما من صاحبه ، فاتفق أنهم في
--> ( 1 ) الخاصكية : يقصد بذلك ما نسميه في عصرنا الراهن ب « الحاشية » أو المقربين إلى السلطان . ( 2 ) الجشارات : هي الكسب غير المشروع واختلاس المال وأخذه دون وجه حق .